English عن التحالف اتصل بنا العدد 34 آذار / مارس 2026 الرئيسسة
تطورات عالمية

أخطار الرقمنة

لاحظ المقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء، مايكل فخري، في تقريره النهائي المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة: إن عمليات الرقمنة المتعلقة بالأراضي ليست بشكل عام مندمجة في حقوق الإنسان. ونتيجة لذلك، حتى الآن، تعمل الرقمنة على إعادة إنتاج وتعزيز بل وتفاقم أشكال الاستبعاد والتهميش القائمة. ومع ذلك، فإن هذا التحذير يشجع على مزيد من الاستقصاْء.

والمثال الأكثر طموحًا لجمع ومراقبة معلومات حيازة الأراضي الرقمية هو مكتنز البيانات الضخمة جيف بيزوس Jeff Bezos. تنطوي المخاطر الأساسية الناشئة عن صندوق بيزوس للأرض (Bezos Earth Fund) على تمويل خاص كبير لاعادة هيكلة حوكمة الأراضي دون سيطرة ديمقراطية مباشرة من قبل السكان الذين يعيشون على تلك الأرض. فعندما تجتمع أهداف الحفاظ الظاهرية على البيئة وأسواق الكربون ورأس المال الخيري، يصبح بوسعها تحويل الأرض إلى أصول تُدار من جهات خارجية. ويمكن أن يؤدي هذا التقارب إلى تقويض الحيازة العادلة للأراضي من خلال تركيز سلطة اتخاذ القرار وخطاب حوكمة الأراضي لتقييد الحقوق المحلية، وتمويل النظم البيئية.

صندوق بيزوس للأرض هو مبادرة خيرية خاصة بقيمة 10 مليارات دولار تُوجه برامج واسعة النطاق للحفاظ البيئي واستخدام الأراضي عبر قارات متعددة. فهو يسعى إلى توجيه القرارات بشأن ملايين الهكتارات من الأراضي والغابات والمناطق البحرية، وليس السكان الذين يسكنون بشكل شرعي في تلك المناطق. ومن بين الأهداف الطموحة التي يسعى لتحقيقها من خلال المنح، تمويل عشرات الملايين من الهكتارات من المناطق المحمية الجديدة عبر جبال الأنديز الاستوائية، وإنشاء 7 ملايين فدان من المناطق المحمية في الأمازون.

ما هي بعض المخاطر الهيكلية التي يشكلها صندوق بيزوس للأرض على حيازة الأراضي المنصفة والمستدامة؟

1.     تركيز السلطة دون شرعية ديمقراطية

من حيث المبدأ، يجب أن تنبع السلطة الشرعية على الأرض من السكان الذين يعيشون عليها بحسن نية. يؤكد القانون الدولي حق الشعوب في السيادة على مواردها الطبيعية. عندما تكون قرارات حوكمة الأراضي مدفوعة برأس المال الخيري بدلاً من موافقة المجتمع، تنتقل السلطة من السكان إلى المنظمات غير الحكومية والمانحين، بينما يصبح السكان خاضعين لسياسة سائدة بدلاً من أن يكونوا صانعي قرار. هذه الحقيقة وحدها تخلق فجوة شرعية في حوكمة حيازة الأراضي.

2.     مخاطر التوسع في الحفظ ونزع ملكية الأراضي 

تتطلب الحيازة الآمنه للأرض أن يتمكن الناس من العيش والانتقال وكسب سبل عيشهم على الأراضي التي يسكنونها تاريخيًا. غالبًا ما تعمل برامج الحفظ الكبيرة على توسيع المناطق المحمية، والتي عادةً ما تقيد الزراعة المعيشية والاستيطان وسبل العيش التقليدية. فستفقد هذه المجتمعات قدرتها على الوصول المنصف والمستدام إلى الغابات ومصائد الأسماك وأراضي الرعي واستخدامها والسيطرة عليها.

صندوق بيزوس للأرض يمول بشكل مباشر توسيع المناطق المحمية في حوض الكونغو والأمازون وجبال الأنديز. يتماشى هذا مع هدف الحفظ العالمي 30×30 (حماية 30% من أراضي ومحيطات الأرض). ومع ذلك، إذا تم حبس 30% من الأراضي العالمية في أنظمة محمية دون إصلاح للحيازة، فسيواجه ملايين من سكان الريف والسكان الأصليين خطر الاستبعاد. ويمكن أن يؤدي هذا التوسع في المناطق المحمية على نطاق الكوكب إلى:

  • النزوح بسبب الحفاظ على البيئة،
  • فقدان الحقوق العرفية للأراضي،
  •  وتجريم الاستخدام التقليدي للأراضي.

3.تمويل المناطق الطبيعية والكربونية

وكما شهدنا في عملية ريو+20 عام ٢٠١٢، عندما تصبح النظم البيئية أصولًا مالية، تتبع الحوكمة رأس المال بدلاً من احتياجات المجتمع. على سبيل المثال، تدعم العديد من مبادرات صندوق بيزوس للأرض الحلول القائمة على الطبيعة، لكن يحذر النقاد من أن هذه الآليات تستطيع:

  • تحويل النظم البيئية إلى سلع لتعويض الكربون،
  •  السماح للشركات بمواصلة الانبعاثات، مع شراء التعويضات الأرضية؛
  •  تحويل الغابات إلى أصول مالية تُدار بواسطة المنظمات غير الحكومية أو المستثمرين، بدلاً من المجتمعات المحلية.

نتيجة هذا الاتجاه تجعل الأرض ذات قيمة ليس لسبل العيش بل لتخزين الكربون، مما يحفز على الأرجح:

  • السيطرة الخارجية على الغابات وأراضي المراعي؛
  •  القيود المفروضة على الزراعة والصيد وجمع الثمار؛
  •  تسليع الخدمات البيئية.

4. حوكمة المنظمات غير الحكومية تحل محل السلطة المحلية

يجب أن تتوافق أنظمة الحوكمة مع وكالة السكان المحليين التي تتوسط مع التزامات الدول الأخرى مثل ضمان الوظائف الاجتماعية والبيئية للأرض والالتزام بضمان التحسين المتواصل للظروف المعيشية من خلال التمتع الفعلي التدريجي للحقوق. ومع ذلك، غالبًا ما تقوم الصناديق الخيرية الكبيرة بتحويل الأموال عبر المنظمات غير الحكومية الدولية، كما في حالة شراكة صندوق بيزوس للأرض مع معهد الموارد العالمية (WRI) والشركات التابعة له. ويؤدي هذا إلى إنشاء سلسلة حوكمة (مانح ← منظمة غير حكومية دولية ← تنفيذ محلي) بدلاً من: مجتمع ← حوكمة محلية ← سياسة.

المخاطر التي ينطوي عليها الهيكل القائم على المانحين:

  • تحل تكنوقراطية المنظمات غير الحكومية محل عملية صنع القرار المحلي/السيادي،
  •  وأن تصبح المشاورات المجتمعية إجرائية وتنفيذية وليست عوامل موثوقة نحو صياغة سياسة متماسكة.

يظهر البحث حول صفقات الأراضي أن الاستشارات غالبًا ما تشمل النخب بدلاً من المجتمعات بأكملها، مما يترك العديد من السكان غير مدركين لحقوقهم.

5. التقاط السرد: الحفاظ على البيئة باعتباره خيرا عالميا

يمكن للسرديات أن تحجب التأثيرات الهيكلية. فالسردية المهيمنة حول صناديق الحفظ الكبيرة:

  • حماية المناخ،
  •  الحفاظ على التنوع البيولوجي،
  •  حالة الطوارئ الكوكبية.

هذه الأهداف مشروعة، لكن السرد يمكن أن يحجب تناقضًا هيكليًا، خاصة إذا كان السرد مدفوع بمصالح خاصة أو جيوسياسية. إن السرد الذي يضفي صبغة اخلاقية للتخفيف من اثار تغير المناخ من خلال السيطرة على الأراضي قد يبطل أولويات أخرى للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، بما في ذلك الحاجة الملحة لتقليل الاستهلاك والتوسع الحضري والاعتماد على الوقود الأحفوري. إذا استمرت أنظمة الوقود الأحفوري بينما يتم الاستيلاء على الأراضي لتخزين الكربون، فسيتحول العبء إلى سكان الريف بدلاً من الملوثين الصناعيين. يُرى هذا بالفعل في تمويل العمل المناخي الذي يُفضل مشاريع التخفيف على مشاريع التكيف في بلدان الجنوب العالمي، والتي ليست المصدر الرئيسي لانبعاثات الغازات الدفيئة GGE.

6. الحوكمة الخيرية تتجاوز المساءلة العامة

يجب أن تكون الأنظمة التي تسيطر على الأراضي خاضعة للمساءلة أمام المتضررين منها. وهذا لا ينطبق على الصناديق الخيرية الخاصة وغيرها من الجهات الفاعلة غير الحكومية. فهي غير منتخبة، وغير خاضعة للمساءلة العامة، وتعمل وفقًا لأولويات المانحين. ومع ذلك، فهي تؤثر على حوكمة الأراضي في جميع أنحاء أفريقيا وأمريكا اللاتينية والمحيط الهادئ. وتمارس هذه الديناميكية نفوذاً جيوسياسياً خاصاً على أنظمة الأرض العالمية.

7. عدم التوافق بين الأهداف العالمية والحقوق والمصالح المحلية

نظرًا للحجم الهائل للأموال والنفوذ الذي يتمتع به صندوق بيزوس للأرض، كمثال رئيسي، فإن السعي وراء تحقيق أهدافه العالمية لإدارة الأراضي يهدد بالتجاوز على حقوق الأراضي المحلية. الأهداف الكوكبية، مثل حماية 30% من الأراضي، تتطلب مناطق شاسعة، بما في ذلك الأراضي المأهولة بالفعل.

وتزعم منصة لاند مارك  (LandMark)، شركة تابعة لمعهد الموارد العالمية  (WRI)  بتمويل من بيزوس، أنها رسمت خرائط لـ 35.8% من أراضي وموارد العالم الطبيعية  المملوكة أو المستخدمة من قبل الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، من أصل 50% أو أكثر، والتي يتوقع الخبراء أنها مملوكة أو مستخدمة فعليًا. وتساعد طبقات الخرائط على مستوى المجتمع عبر الإنترنت التي تقدمها لاند مارك، في تصور أراضي ومناطق الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، وتعرض طبقات خرائط على المستوى الوطني لتصور ملخصات قطرية لمعلومات حقوق الأراضي.

ومع ذلك، تتبع المنظمة نهجًا تقنيًا حصريًا في رسم الخرائط، دون التوجيه المعياري الذي من شأنه توضيح المقصود بـ الشعوب الأصلية بشكل متميز أو مدمج مع المجتمعات المحلية. هذا القصور هو الأكثر وضوحًا في مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تروج الحكومات (مثل المغرب) للخلط بين المصطلحين من أجل الانتقاص من حقوق الأراضي للشعوب الأصلية، أو ترفض الاعتراف بوجود شعوب أصلية على هذا النحو. في نفس المنطقة، تفتقر لاند مارك أيضًا إلى مفردات أو تصنيفات لمختلف الأراضي الحكومية، أو الأراضي العسكرية، أو الأراضي الملكية، وكلها ذات نطاق واسع في جميع أنحاء المنطقة، في حين يصعب الحصول على البيانات المكانية المقابلة. تخاطر ممارسة رسم الخرائط التي تقوم بها لاند مارك بإثارة الصراع مع جميع السلطات المعنية، بما في ذلك الشعوب الأصلية الفعلية، وكلهم مترددون في إخضاع تعريف أراضيهم وأنواع حيازتهم لجهات خارجية.

التوترات الناتجة

يضفي الحصاد الخاص للبيانات المتعلقة بحيازة الأراضي العالمية طبقات إضافية على التوترات القائمة بالفعل بشأن الأرض وحوكمتها. يُنظر إلى سعيها لتحقيق أهداف الحفظ البيئي العالمية على أنه تدخل في أنظمة سبل العيش المحلية. وبدون أطر معيارية وضمانات هيكلية، يمكن لتوسع الحفظ البيئي أن يعيد إنتاج أنماط الأراضي الاستعمارية في شكل رقمي، حيث تحدد الجهات الخارجية قيم الأراضي واستخداماتها، وتتم إدارة السكان المحليين أو نقلهم.

الهدف المعلن لصندوق بيزوس هو حماية النظم البيئية واستقرار المناخ . ومع ذلك، فإن الآلية الهيكلية المستخدمة هي تمويل الحفاظ على الارض على نطاق واسع. ويكمن الخطر في أنه إذا انتقلت حوكمة الأراضي من المجتمعات المحليه إلى المؤسسات الخارجية، فإن النظام يخاطر بإعادة إنتاج نفس هياكل السلطة الاستخراجية التي خلقت الأزمة البيئية في المقام الأول.

ولا تزال حيازة الأراضي المنصفة والمستدامة تتطلب:

١. سيادة المجتمع على قرارات الأراضي،

٢. الاعتراف القانوني بحقوق الأراضي الأصلية والعرفية،

٣. التمويل المباشر لمؤسسات الحكم المجتمعي،

٤. تركز السياسة المناخية على خفض الانبعاثات أولاً،

٥. ادارة الحفظ بشكل مشترك من قبل السكان المحليين.

وحيثما توجد هذه الشروط، يمكن التوافق بين الحفاظ على الاراضي والعدالة. وحيثما لا توجد، فان صناديق الحفظ الكبيرة تخاطر بإنتاج تركز للأراضي الخضراء بدلاً من تحقيق العدالة البيئية.

أوصى المقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء، مايكل فخري، في تقريره النهائي إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الدول بما يلي:

التركيز بصورة خاصه على الفئات المهمشة، مع مراعاة حقوقهم واحتياجاتهم.

احترام وحماية وتعزيز جميع حقوق الحيازة المشروعة، بالإضافة إلى الأشكال المختلفة للحيازة، وخاصة نظم الحيازة والإدارة الجماعية والعرفية.

ضمان المشاركة الفعلية لجميع اصحاب حقوق الحيازة في جميع مراحل عملية الرقمنة، ولا سيما المنظمات التي تمثل الفئات المهمشة والمجتمعات الريفية.

ضمان أن تكون عمليات الرقمنة المتعلقة بالأراضي داعمة لأهداف سياسات أوسع، مثل اعمال الحق في الغذاء والتغذية، والقضاء على الفقر، والاستقرار الاجتماعي والعدالة، والتنمية الريفية، وكذلك الاستخدام المستدام للأراضي والموارد ذات الصلة.

الامتناع عن استخدام السجلات العقارية الرقمية أو أنظمة المسح العقاري لإبطال مطالبات الحيازة غير المكتوبة أو الجماعية.

ضمان توفير بدائل غير رقمية والمتاحة لتسجيل الأراضي وتخصيصها، وحل النزاعات.

التعامل مع بيانات الأراضي والحيازة كمنفعة عامة، مع ضمان الشفافية والرقابة المجتمعية والحماية من هيمنة الشركات.

فيما يلي الموضوعات التي تناولت صندوق بيزوس في نشرة أحوال الارض:

صندوق بيزوس للأرض وتعدد أصحاب المصلحة، 19 مارس 2025

صندوق بيزوس للأرض ينهي الدعم لمراقبي إزالة الكربون، 06 فبراير 2025

ممر لوبيتو: نهب استعماري جديد لأفريقيا، 3 كانون الأول/ديسمبر 2024

نفوذ صندوق بيزوس للأرض يثير مخاوف بين الخبراء، 20 آذار/مارس 2024

كيف ينفق صندوق بيزوس للأرض ملياراته، 3 أيار/مايو 2023

المانحون يتعهدون بمبلغ ٥ مليارات دولار لحماية الطبيعة، 29 أيلول/سبتمبر 2021

 

الصورة:  جيف بيزوس امام لافتة منظمة الحفاظ على الطبيعة (The Nature Conservancy).  المصدر: بلومبرغ/غيتي إيمجز.


Back
 

All rights reserved to HIC-HLRN