المدن كعامل لانتاج عدم المساواة
تشكل قضية التفاوت الحضري، إحدى السمات الرئيسية للعولمة المعاصرة، والتي يمكن ملاحظتها في حالة التفاوت في التمتع بالحق في السكن والخدمات الأساسية والبنى التحتية التي تدعم سبل المعيشة اليومية. لقد أدت عمليات أمولة الأراضي، وتسليع السكن، إلى تحويل المدن لمساحات لتراكم الثروة الاقتصادية، مما أدى إلى تفاقم التمييز الاجتماعي-المكاني في كل من عالم الشمال والجنوب.
من منظور نسوي، تُعد المدينة وقضايا السكن مجالات رئيسية يتجسد فيها التقسيم القائم على النوع الاجتماعي في ملف العمل والتوزيع غير المتكافئ لمسؤوليات الرعاية الأسرية. فلا يزال العمل المتعلق بإعادة الانتاج الاجتماعي أو الرعاية في فترة الإنجاب، وهوعمل غير مدفوع الأجر، ويُعد أمراً أساسياً للبقاء على قيد الحياة، يقع بشكل أساسي على عاتق النساء، مما يؤثر على قدرتهن في الوصول إلى الموارد واستخدامها والتحكم فيها، وعلى إدارة الوقت، وعلى تحقيق استقلاليتهن (الكرامة). وفي هذا السياق، فإن الأوضاع غير المستقرة للسكن وانعدام الحيازة الآمنة له، يؤثران بشكل خاص على النساء، لا سيما النساء المعيلات، أو المهاجرات، أو اللواتي يعشن في حالة ضعف أو هشاشة.
وفي هذا السياق، ساهمت التحالف الدولي للموئل – شبكة حقوق الأرض والسكن، مع أعضائه، في إعداد دراسة عالمية بالتعاون مع مرصد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية Observatori DESCA حول «المدن كعامل من عوامل عدم المساواة: سبل البقاء في عالم الشمال والجنوب، من منظور النوع الاجتماعي». حيث تكشف الدراسة، أوجه عدم المساواة من منظور مقارن بين مختلف الأقاليم، مع تبني النهج الجندري، وإبراز الآثار المتباينة على النساء في السياقات الحضرية المختلفة لكل من: منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وأوروبا، مع إصدارتوصيات معنية بالنساء من أجل إعمال حقهن في السكن في المدينة من منظور جندري ومتقاطع.
تركز المساهمة الخاصة بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على أوجه الفجوات في الأجور بين الجنسين وتأثيرها على فرص الوصول إلى السكن الملائم، حيث تجمع بين التحليل الهيكلي ودراسات الحالة في كل من مصر وتونس. وتسلط تلك الحالات الضوء على قصور الأطر التشريعية، و هشاشة الوضع الخاص بالسكن الملائم، الذي تواجهه النساء في سياق الأزمات المتشابكة الحالية، وفي ظل آليات غير منضبطة للسوق العقاري في المناطق الحضرية.
وتعتبر مسألة التفاوتات الحضرية في الإقليم نتاج لعقود من السياسات المتراكمة والإخفاقات الهيكلية في مجالات التنمية على الصعيدين الوطني والمحلي، حيث تفاقمت هذه التفاوتات بسبب النمو الحضري السريع، والذي لم يرافقه تخطيط كافٍ أو تطبيق للمعايير المعمول بها. فقد ساهمت تلك العوامل في زيادة الديون والتضخم، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الغذاء، والرعاية الصحية، والإسكان، والتعليم. ويضاف إلى ذلك، عدم الاستقرار الناجم عن النزاعات والحروب والاحتلال، التي أدت إلى حدوث حالات طوارئ إنسانية ومخاطرالمجاعة.
ونتيجة لذلك، أدى تزايد فجوة عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية في المدن، إلى الحد من التمتع بالحقوق الأساسية مثل المياه والغذاء والسكن وسبل العيش والحماية الاجتماعية، لا سيما بالنسبة للفئات الضعيفة، ومن بينهم النساء والشباب والنازحون. وقد تسبب عدم الاتساق الهيكلي هذا في نمو اقتصادي غير متكافئ، وتدهور سبل المعيشة والبنية التحتية، وحالة من النزوح واسع النطاق وطويل الأمد، ومزيداً من الاضطراب في الخدمات الاجتماعية الأساسية.
تعد الفجوة الكبيرة في قضية الأجور من أبرز أشكال عدم المساواة بين الجنسين في إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكذلك الحال في أماكن أخرى، وتُعتبر تلك القضية إحدى الأولويات الرئيسية للنساء، حتى في أوساط مجتمعات النازحين واللاجئين. وتكشف الفجوة في الأجور بين الجنسين عن تفاوتات في جميع الإقليم، لا سيما في القطاعات التي توظف النساء بنسبة كبيرة، مثل القطاع غير الرسمي. ففي هذا القطاع، تكون دخول النساء أقل مقارنة بدخول النساء في القطاعات التي يهيمن عليها الرجال. علاوة على ذلك، تواجه النساء في القطاع غير الرسمي ظروف عمل سيئة وغير آمنة. لذلك، فإن عنصر القدرة على تحمل كلفة السكن اللائق، هو عنصر أساسي في تحليل الحق في السكن اللائق من منظور جنساني. ولا يتم تقييم هذا الحق فقط من خلال مدى توفر السكن أو توحيد أسعار الإيجار ووحدات السكن، بل من خلال قدرة الناس (استقلاليتهم) على دفع تكاليف السكن دون المساس بالحقوق الأساسية الأخرى.
وتُظهر نتائج تحليل دراستي الحالة من مصر وتونس، أن الفجوة في الأجور بين النساء والرجال، ليست مجرد تفاوت في الدخل، بل إنها تمثل عاملاً حاسماً في تحديد من يستطيع تحمل تكاليف السكن داخل المدن.
كما تُبرز دراستا الحالة من مصر وتونس، أن ارتفاع تكاليف السكن لا يقتصر على الإيجار أو سعر الوحدة السكنية فحسب، بل يمتد ليشمل التكاليف الإضافية المرتبطة بالخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والطاقة والصيانة، فضلاً عن تكاليف النقل المترتبة على العيش في مناطق بعيدة عن فرص العمل والخدمات. وتمثل هذه التكاليف نسبة مئوية أعلى من دخل النساء مقارنة بدخل الرجال، مما يزيد من مخاطر فقر الطاقة، وعدم استقرار السكن، والإخلاء، خاصة بين الأسر التي تعيلها نساء أو الأسر ذات الدخل الواحد.
لمزيد من التفاصيل حول الفجوة في الأجور بين الجنسين وحق المرأة في السكن اللائق في المناطق الحضرية، يمكنكم الإطلاع على الدراسة الكاملة (بالإنجليزية).
الصورة: الغلاف الأمامي لكتاب «مشاورات الإسكندرية: حق المرأة في السكن اللائق والأرض في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» (القاهرة: HIC-HLRN، 2005)
|