نهب الأراضي والصراع طويل الأمد في السودان
على مدار عقود يشهد السودان صراعات متعاقبة وعدم استقرار سياسي، نتيجة التنافس عل الموارد الطبيعية، ولاسيما سياسات الاستحواذ على الأراضي ومواردها الطبييعة. ومنذ اندلاع الحرب الأهلية الأخيرة في عام 2013، بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع المدعومة من حكومة دولة الإمارات، أصبح الصراع في السودان أكثر حدة وتسبب في أكبر وأسواء أزمة نزوح وحماية على مستوى العالم، حيث خلفت 11.58 مليون نازح داخلياً. فعدد الأشخاص الذين نزحوا وتركوا منازلهم في عام واحد، هو ضعف العدد الذي شهده السودان خلال العقدين السابقين مجتمعين، فالسودان أصبح يضم 15 % من مجموع الأشخاص النازحين داخليا على مستوى العالم.
المخاطر الهيكلية وكذلك المخاطر الناجمة عن النزاعات في مجال إدارة الأراضي
ومع الافتقار إلى إيجاد تدابير حماية فعالة للمجتمعات المحلية وصغار المزارعين، وانهيار الدولة بعد عام 2023، وانهيار البنية التحتية القانونية لحقوق ملكية الأراضي في السودان، اصبح هناك سيطرة أجنبية والتوسع أكثر وأدى إلى ربط النظام الزراعي السوداني بالطلب الخارجي بدلاً من الاحتياجات المحلية. وتحولت استثمارات دول الخليج وعمليات شراء الأراضي في السودان من إطار «تنموي» إلى ركيزة أساسية لاقتصاد الحرب.
ومع تدمير الحرب للقطاع الزراعي، خلت مناطق زراعية بأكملها من سكانها، وانهارت الأسواق، و انخفض إنتاج الحبوب في الفترة 2023-2024 إلى مستويات شبه كارثية، كما أن سيطرة الميليشيات على طرق التجارة، إلى جانب نقص الوقود وارتفاع الأسعار والنزوح وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، حالت دون نقل المواد الغذائية للمجتمعات المحلية أو إلى معسكرات النزوح . والأهم من ذلك، وحلت الزراعة التصديرية الشاسعة التي تسيطر عليها الجهات الأجنبية وبشكل ممنهج، محل الزراعات الصغيرة التي كانت العمود الفقري لإمدادات الغذاء في السودان.
وفي الوقت نفسه، منذ إندلاع النزاع في أبريل/نيسان 2023، تقلصت المساحة المزروعة في السودان من حوالي 18 مليون هكتار إلى 7 ملايين هكتار فقط على مستوى البلاد، وذلك جراء نزوح المزارعين وتدمير البنية التحتية. ويُقدر أن 60% من المساحة الزراعية التي كانت تُستخدم قبل الحرب قد توقفت عن الإنتاج بسبب النزاع.
عوامل خارج نطاق الولاية الإقليمية للدولة
السودان لاتزال الإقليم المحوري لدول الخليج وخاصة السعودية والإمارات لتوجيه الأراضي الخصبة نحو الزراعة التصديرية، وبناء منظومة أمن غذائي خارجي ترتكز على الأراضي الزراعية الخصبة والمياه الوفيرة خارج حدودها، عقود إيجار طويلة الأجل وإعفاءات ضريبية وإمكانية الوصول إلى شبكات الري خاصة مع إقرار قانون تشجيع الاستثمار الوطني في عام 2013 (والذي تم تعديله في2021). وقد بلغت مساحة الأراضي التي تم الاستيلاء عليها 762,208 هكتاراً، كما يتنافس مستثمرون من دول الإقليم على 3.4 مليون هكتار أخرى من الأراضي، والتي لا تزال قيد التفاوض.
وعلى الرغم من أن الاهتمام الرئيسي لدولة الإمارات في السودان هو الذهب، لكن الغذاء يمثل أيضًا أولوية رئيسية، فعلى مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، سعت الدولة جاهدة للسيطرة على الأراضي الزراعية ومصادر المياه في السودان من أجل إنتاج الغذاء للتصدير. حيث ضخت الإمارات أكثر من 6 مليارات دولار أمريكي في احتياطيات النقد الأجنبي في السودان، ومشاريع التوسع الزراعي، وإنشاء ميناء على البحر الأحمر.
وفي خضم الحرب، كانت شركتان إماراتيتان تزرعان ما يزيد عن 50 ألف هكتار. وقبل اندلاع الحرب بفترة وجيزة، تم توقيع اتفاقية بقيمة 225 مليون دولار أمريكي، مع رجال الأعمال أسامة داؤود عبد اللطيف، رئيس مجموعة دال – لتطوير 162,000 هكتار إضافية من الأراضي الزراعية في منطقة أبو حمد، شمال البلاد. وسيتم ربط هذا المشروع الزراعي الضخم، المدعوم من حكومة الإمارات العربية المتحدة، بطريق طوله 500 كيلومتر بميناء جديد على ساحل السودان ستقوم مجموعة موانئ أبوظبي ببنائه وتشغيله.
وخلال الحرب، تصاعدت عمليات الاستيلاء على الأراضي لأجل مشاريع الاستثمار الزراعي في جميع أنحاء السودان. ففي وادي الهواد، وهي منطقة خصبة تمتد من سهل البطانة في شرق السودان، استحوذت شركة «الظاهرة القابضة»، وهي شركة زراعية بارزة مقرها الإمارات العربية المتحدة، على 27,000 هكتار (حوالي 64,000 فدان) من الأراضي. ويأتي ذلك في إطار خطة استثمارية طويلة الأجل لشركة ”الظاهرة“ بقيمة 10 مليارات دولار أمريكي، تهدف إلى الاستحواذ على 2.4 مليون فدان (971,245.5 هكتار) بالوادي. ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، توسعت الزراعة الآلية واسعة النطاق شمالاً لتشمل المناطق الهامشية، مثل أراضي البطانة العشبية، حيث ترتفع المخاطر البيئية.
أبعاد ذات طابع دولي
وعلى الرغم من أن هذه الأمثلة مجرد لمحات توضح الوضع المأساوي في السودان. فهي كذلك تبرز كيفية تزامن مشاريع الاستثمارات الزراعية الخارجية، التي تُقدَّم تحت شعار «الأمن الغذائي»، أو حتى «التحول الأخضر»، مع مصادرة الأراضي والتسبب في «مجاعة ذات أبعاد تاريخية».
وقد تبنت كلا من الإمارات والسعودية سياسات بارزة وقوية في الأجندة الدولية المعنية بالمناخ، والمساهمة في تقليل انبعاثات الكربون كمسار رئيسي في أفريقيا، للحفاظ على الغابات سليمة أو زراعة الأشجار في المناطق الريفية، حتى يمكن بيع الائتمانات الكربونية إلى الملوثين العالميين. كما يساعد نشاط زراعة الكربون الجديد في تمويل مزارع الإمارات والسعودية في الخارج ، وسيؤدي هذا الاندفاع الجديد نحو صفقات أراضي الكربون إلى سيطرة كاملة على مساحات شاسعة من الأراضي في أنحاء القارة الأفريقية، ومنها على سبيل المثال حالات في كينيا وليبيريا، مما دفع المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الشعوب الأصلية، إلى الدعوة لمراجعة عالمية لمشاريع تعويض الكربون.
ولوضع تصور نحو معالجة تلك الانتهاكات، لا ينبغي أن نغفل، أنه منذ عام 2016، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية صراحةً أنها ستعطي الأولوية للجرائم التي تنطوي على الاستغلال غير القانوني للموارد الطبيعية و الاستيلاء غير القانوني على الأراضي باعتبارها ”جرائم ضد الإنسانية“ محتملة. وقد أجرت المحكمة تحقيقاً في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في دارفور، والتي تشمل أعمال الترحيل القسري التي غالبًا ما ترتبط بمصادرة الأراضي، وبالاستعمار عندما تكون مدفوعة بعوامل خارجية.
الصورة:مواد ترويجية من شركة ”الظاهرة“ القابضة، [علامة الاستفهام مضافة]. المصدر: الموقع الإلكتروني لشركة ”الظاهرة“.
|